هل هذا السؤال في وقته "ماذا لو عاش عبد الناصر؟"، السؤال المهم هو مركز أحداث فيلم من سيناريو وموسيقى تصويرية وإخراج العبقري أحمد فؤاد درويش، مستعرضاً محطات مهمة ورئيسية في حياة الزعيم جمال عبد الناصر.
الفيلم يجيب، من خلال أحداث وثائقية، على سؤال افتراضي "ماذا لو عاش عبد الناصر؟" ويطرح العديد من المحطات التي تتعلق بالتوقعات التي كان يمكن أن نراها بشأن مسارات الحياة السياسية والتاريخية والاقتصادية المصرية والعربية، حال امتد العمر بحياة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، متوقفاً عند العام 2011.
الفيلم تم عرضه مؤخراً في البيت الروسي بالقاهرة بالتعاون مع مركز أفلام المعرفة (منتج الفيلم)، تزامناً مع الذكرى الـ56 لرحيل الزعيم، وسط حضور ملفت من الشباب لأعمار لم تر عبد الناصر، ولا حتى السادات، ومعظمهم من مواليد الألفية الثالثة، ومن جيل لو سألتهم عن ناصر، ربما يجيبون أنه (محطة مترو جمال الناصر)، إلا أن الحضور الشبابي ملفت، فمازال هناك من يهتم بالمعرفة عن تاريخ عبد الناصر.
صحيح أن الفيلم توقف عند العام 2011، مستعرضاً الأحداث المحلية والإقليمية والعالمية، والتي جاءت بمحاولات تقفز على تاريخ عبد الناصر إما بتشويهها، أو محاولة محوها من التاريخ المصري والعربي والعالمي، إلا أن كل ذلك لم يُمكن أعداء عبد الناصر من ازاحته من تاريخ وذاكرة الأمة والشعوب، والدليل رفع صور ناصر في العديد من الأحداث الشعبية المصرية والعربية، ومظاهرات ثورة 25 يناير 2011، في استلهام للزعامة، والثورات العربية الأخرى "الربيع العربي"، وما تلاها.
عبقرية المخرج العظيم أحمد فؤاد درويش تجسدت في العديد من مشاهد الفيلم الوثائقية، واختيارات محددة، لوجوه ثورة 23 يوليو وزعامة عبد الناصر لها، ونجاحات على المستوى المحلي في مصر، عبر قوانين العدالة الاجتماعية، مثل "الإصلاح الزراعي"، ونظام "الدعم التمويني"، و"التعليم المجاني" للجميع، في كافة المراحل من الابتدائية إلى الجامعية، وتحويل أحلام وشعارات المصريين حول التعليم إلى واقع فعلي.
واستعرض العمل الفني الثورة الصناعية في مصر، وتأسيس نحو ألف مصنع في ربوع مصر شرقاً وغرباً، ًوشمالاً وجنوباً، عبر مجمعات صناعية متنوعة، وقدم ملفاً حول السد العالمي، أهم إنجازات ثورة ناصر وعهده، ليصبح أهم مشروع مائي متضمناً أكبر بحيرة صناعية في العالم، متناولاً قصة تأميم قناة السويس، لتصبح ولأول مرة هيئة مصرية وطنية خالصة.
فيلم "ماذا لو عاش عبد الناصر" وثيقة تاريخية عن زعيم التحرر الوطني، فلم يغفل القضايا التي تبناها الزعيم ناصر، في الثقافة والفن وتنمية القرى وريف مصر على الطول والعرض، واقتحام تعمير وتنمية واستصلاح الصحراء، عبر مشروعات ضخمة مثل "مديرية التحرير"، وغيرها، ووضع اللبنات الأولى للوصول بمياه النيل لصحراء مصر.
وتناول احداث ومسببات وتداعيات نكسة 1967، والتي كانت نقطة التحول في العسكرية المصرية، وخوض أهم حرب في الصراع مع العدو الإسرائيلي، وهي "حرب الاستنزاف" والتي اعتبرها قادة إسرائيل من أهم الهزائم التي نالت من الكيان المحتل، ومهدت الطريق للنصر في أكتوبر 1973، والتي خطط لها في آخر سنوات ناصر.
الفيلم يقدم إجابات عن المستقبل، حسب تعبير الدكتور عواطف عبد الرحمن، في تعليقها على الفيلم في الندوة التي تلت العرض في البيت الروسي، ووضع العديد من التساؤلات عن مستقبل مصر والأمة والمنظمات الإقليمية التي كان مؤسسيها جمال عبد الناصر مثل "عدم الانحياز" والمنظمات الإفريقية، وغيرها.
في توثيق الفيلم، تناول المد القومي العربي، ودعم مصر – ناصر، لمختلف حركات التحرر الوطني في العالم، عربياً وإفريقياً، ولاتينياً، والاتجاه نحو تحييد العديد من القوى، والتصدي لأطماع أمريكا والقوى الغربية في مصر والدول العربية والأفريقية.
وجهت أحداث الفيلم انتقادات لبعض من سياسات عبد الناصر، فلم يخل الفيلم كلياً من نقد سياسي لناصر وعهده، وإن كان يتمنى المشاهد نقداً أعلى لما يسمى "دولة المخابرات" و"الديمقراطية الغائبة" في عهد ناصر، وللأمانة هناك اشارت لبعض منها في هذا في الفيلم، وبوضوح.
وفي لفتة مهمة، وجه الفيلم نقداً للكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل، وخصوصاً، فيما يتعلق بقرارات مصرية قبل وفاته، تتعلق بنواب جدد لرئيس الجمهورية، وهذا مثار جدل، فكل شهود المرحلة في رحاب الله، وهو ملف جدلي وبشدة.
الفيلم يضع العديد من السيناريوهات للإجابة عن "ماذا لو عاش عبد الناصر"، منها، أن مصر كانت ستخوض حرب النصر في عهده، ولن تكون هناك اتفاقيات سلام، إلا بشروط ناصر ومصر القومية العربية، ولن تنفصل مصر عن عروبتها وقوميتها، وسيظل البترول الخليجي لكل العرب، وسيتم العديد من المشروعات العربية، ولن تستطع أمريكا تسيُّد المنطقة العربية، بل ستحرر الأمة من كل تعبيتها، ولن يتم تقسيم السودان، ولن يتم غزو العراق الكويت، بل أكثر من ذلك ستقام دولة فلسطين على كامل أراضيها.
ومن سيناريوهات الفيلم، أن حرب السعودية واليمن لا وجود لها، وستبقى سوريا العربية، مع وضع حد لأي أطماع أمريكية، او غربية، ولا حتى عربية عربية، وعالمياً ستتسع دائرة دول عدم الانحياز، مع صحوات أفريقية أقوى.
بل على المستوى المحلي لن يثور الشعب كما ثار في 25 يناير، لأن العدالة والحريات ستكون هي السائدة، مع قرارات ثورية كان سيصدرها عبد الناصر على كل المستويات السياسية والاقتصادية.
ويبقى السؤال الافتراضي "ماذا لو عاش عبد الناصر"؟ قائمًا افتراضياً، وهل ستظل سيناريوهات الفيلم افتراضية أيضاً؟، الإجابة ستظل كامنة في رؤية وخيال كل فرد وتختلف من آخر إلى آخر، وفق موقفه السياسي، وافتراضاته.
والأهم ... هو اتساع دائرة مشاهدة الفيلم في مصر والفضائيات، ووسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية في الفضاء الواسع، لمزيد من المعرفة، وفتح حوار أكثر شمولاً حول "ماذا لو عاش عبد الناصر"، مع استكمال الفيلم في نسخة محدثة، لتأخذ بعين الاعتبار مستجدات 15 عاماً محلياً واقليمياً وعالمياً.. وهو ما وعد به المخرج في اجابته على سؤال وجهته له في الندوة التي تلت العرض.
--------------------------------
بقلم: محمود الحضري






